التجنيد الإلزامي في الدول الخليجية الجديدة

  • إليونورا أردماني
  • في الأنظمة الملكية الخليجية، تقف العلاقات المدنية-العسكرية عند منعطف. فخلافاً للمنظومة

    كانت قطر الدولة الخليجية الأولى التي طبّقت التجنيد الإلزامي للذكور في العام 2013، ففرضت على الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 18 إلى 35 عاماً التسجّل لأداء الخدمة العسكرية لمدة تتراوح من 3 إلى 4 أشهر – ومدّدتها إلى عام كامل في آذار/مارس 2018. وحذت الإمارات العربية المتحدة حذوها في العام 2014، ففرضت على الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 18 إلى 30 عاماً الخدمة العسكرية لمدّة تتراوح من 9 أشهر إلى عامَين، بحسب مستواهم العلمي، وفي العام 2017، أعادت الكويت أيضاً العمل بالتجنيد الإلزامي لمدة عام واحد للذكور في الفئة العمرية 18-35 عاماً، بعدما كانت قد ألغته في العام 2001. وفي قطر، يمكن استدعاء الأشخاص الذين أتمّوا خدمتهم العسكرية، إلى الخدمة الفعلية بحسب الاقتضاء، في غضون الأعوام العشرة اللاحقة حتى سن الأربعين، وفي حالة الحرب، أو فرض القانون العسكري، يمكن الاحتفاظ بالمجنّدين الإلزاميين حتى بعد انتهاء مدّة خدمتهم. كذلك باستطاعة الكويت استدعاء المجنّدين السابقين لمدّة 30 يوماً في السنة حتى بلوغهم سن الـ45، وتفرض الإمارات خضوع المجنّدين السابقين لتدريبات سنوية تمتد لأسبوعَين إلى أربعة أسابيع حتى بلوغهم سن الـ58 (أو الـ60 في حالة الضباط).

    لا يُستدعى جميع الرجال المسجّلين في هذه البلدان، إلى الخدمة، وتُجيز القوانين التأجيل والإعفاء – مثلاً في الكويت والإمارات وقطر، وإلى جانب الأسباب الصحية، يمكن إعفاء الشخص من التجنيد الإلزامي إذا كان “نجل شهيد” ويؤدّي أيضاً دور المعيل الأساسي لأسرته. إنما تُفرَض عقوبات ماليةوجزائية على المتهرّبين من التجنيد الإلزامي أو مَن يمتنعون عن التسجّل.

    علاوةً على ذلك، أطلقت الإمارات التجنيد الطوعي للإناث لفترة تسعة أشهر في حزيران/يونيو 2014، ثم مدّدتها إلى اثنَي عشر شهراً في العام 2016. وفعلت قطر الأمر عينه في آذار/مارس 2018؛ وفي 26 شباط/فبراير 2018، أعلنت السعودية أيضاً بدء الخدمة العسكرية الطوعية للإناث. كذلك اقترح وزير الدفاع الكويتي، ناصر صباح الأحمد الصباح، فرض التجنيد الإلزامي للإناث.

    على النقيض، في شباط/فبراير 2018، استبعد نائب رئيس اللجنة الأمنية في مجلس الشورى السعودي، اللواء عبد الهادي العمري، إمكانية فرض التجنيد الإلزامي للذكور السعوديين، معلِّلاً ذلك بأن التجنيد الطوعي لا يزال يلبّي احتياجات القوات المسلحة السعودية على صعيد العديد البشري. بيد أن عدداً كبيراً من الأصوات السعودية أبدى في العلن دعمه لفرض الخدمة العسكرية الإلزامية، ومنهم مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الذي شدّد على ضرورة التدريب العسكري للذكور في أزمنة التهديدات الجيوسياسية المتصاعدة، وعضو مجلس الشورى إقبال درندري التي دعت إلىتطبيق التجنيد الإلزامي للذكور والإناث معتبرةً أنه واجب وطني.

    يعكس هذا الاعتماد على التجنيد الإلزامي الجهود التي تبذلها الأنظمة الملكية في الخليج للتعامل مع التغييرات الإقليمية المترابطة. على وجه الخصوص، أدّى الهبوط في أسعار النفط العالمية إلى تراجع قدرة تلك الأنظمة على تأمين الرعاية الاجتماعية والمنافع للرعايا الأجانب، بما في ذل أولئك الذين خدموا في جيوشها. كما أن عدم الاستقرار الإقليمي والحضور المتنامي للأفرقاء المتشددين غير الدولتيين ولّدا رغبة في توطيد الرابط الوطني. على الرغم من المخاطر السياسية المحتملة التي ينطوي عليها التجنيد الإلزامي، إنه تكتيك فاعل لتعزيز الولاء والحس الوطني، وفق ما ظهر في مراحل التوريث الملكي. فعلى سبيل المثال، أُقِرّ قانون الخدمة الوطنية في قطر في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، بعد أشهر قليلة من تسلّم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني سدّة العرش في حزيران/يونيو. ويتزامن القرار الذي اتخذته السعودية بإفساح المجال أمام النساء للالتحاق بالخدمة العسكرية، مع عمليات عسكرية غير مسبوقة في اليمن، وإعادة تنظيم كاملة للقطاع الأمني، و”السعودة” التدريجية لليد العاملة التي يطبّقها ولي العهد وزير الدفاع محمد بن سلمان.

    يسلّط الخطاب العام مزيداً من الضوء على الهدف الذي تسعى إليه دول الخليج. فالخدمة العسكرية الإلزامية سوف تساعد القطريين ليصبحوا “مواطنين مثاليين“، وفق ما جاء على لسان وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع، اللواء الركن حمد بن علي العطية، قبل إطلاق البرنامج، مسلِّطاً الضوء على الغرض الذي تتوخّاه المبادرة في مجال التربية المدنية: تشكّل المحاضرات عن التاريخ الوطني والأمن والمواطَنة جزءاً من برنامج الخدمة الوطنية القطري، وهو نموذج اقتدت به الإمارات والكويت لدى إطلاقهما التجنيد الإلزامي. وقد تعمد قطر أيضاً إلى استثمار مزيد من الموارد المالية والبشرية في الخدمة العسكرية: تساهم المقاطعة التي تفرضها السعودية والإمارات والبحرين راهناً على قطر، في تعزيز المشاعر القومية لدى القطريين الذين يميلون أكثر من أي وقت مضى، إلى الأخذ بالرأي القائل بأنه من واجبهم أن يقدّموا خدمة عسكرية إلى بلادهم.

    كذلك صيغت الخدمة العسكرية في الإمارات في شكل برنامج تعليمي وطني يُكمّل مقرر التدريب العسكري الأساسي والمتخصص. حتى إن الإمارات أقدمت، في آذار/مارس 2016، على افتتاح مدرسة الخدمة الوطنية لحرس الرئاسة من أجل تأمين مزيد من التدريب التطبيقي، وتسعى إلى أن يستقر عدد المسجّلين في المدرسة عند صفَّين من 5000 مجنّد لكل صف في السنة. في العام 2016، أطلقت الإمارات نسخة مختصرة إضافية من الخدمة الوطنية للمتطوعين الذكور في الفئة العمرية 30-40 عاماً الذين يرغبون في الالتحاق بالخدمة العسكرية، فضلاً عن “خدمة بديلة” قائمة على العمل الإداري أو التقني ومخصّصة للمتطوعين الذين لا يستوفون الشروط الأساسية.

    يمزج التجنيد الإلزامي، مقروناً بالسياسات الخارجية ذات الدوافع العسكرية، بين التعبئة الوطنية وبثّ القوة في الخارج. يَظهر هذا الرابط بوضوح في الحداد الجماعي للجيوش الخليجية على جنودها – معظمهم من الإماراتيين – الذين لقوا مصرعهم في الحرب في اليمن. فبالإضافة إلى جنود حرس الرئاسة، أُرسِل بعض المجنّدين الإلزاميين الإماراتيين إلى اليمن، على الرغم من غياب الخبرة القتالية لديهم، مع العلم بأن الإمارات توقّفت عن إرسال هؤلاء المجنّدين بعد الهجوم الذي شنّه الحوثيون في مأرب وأسفر عن مقتل 45 إماراتياً في الرابع من أيلول/سبتمبر 2015. تُكرّم وسائل الإعلام المحلية والحكّام هؤلاء الجنود الذين يعتبرونهم شهداء الأمة، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2016، بادر مكتب شؤون أسر الشهداء إلى إنشاء واحة الكرامة في أبو ظبي، وهي عبارة عن نصب تذكاري دائم تكريماً للجنود الإماراتيين الذين قضوا نحبهم في خدمة الأمة.

    كذلك تستخدم دول الخليج التجنيد الإلزامي لدعم السياسات المتعلقة بالشؤون الوطنية. فعلى سبيل المثال، تسعى الإمارات إلى خفض أعداد الرعايا الأجانب في الجيش، والذين كانوا يشكّلون نحو أربعين في المئة من القوات المسلحة في التسعينيات. وقد أعطت الإمارات العربية المتحدة، منذ ذلك الوقت، الأولوية للتجنيد من الإمارات الشمالية مثل رأس الخيمة، التي تضم مجتمعةً 61 في المئة من السكان، وذلك بهدف تعزيز روابطها مع أبو ظبي وزيادة الدعم الذي تقدّمه قبائل الإمارات الشمالية للجيش – وهي علاقة من شأن التجنيد الإلزامي أن يساهم في توطيدها. في خطوة مهمة، أعلنتالإمارات، في آب/أغسطس 2015، أن الأشخاص المولودين من أمهات إماراتيات وآباء أجانب (والممنوعين راهناً من الحصول على الجنسية) يصبحون مؤهّلين لنيل الجنسية في حال انضموا طوعاً إلى الخدمة الوطنية.

    بالمثل، صوّت مجلس الأمة الكويتي مجدداً، في آذار/مارس 2018، على السماح للـ”بدون” الذين لا جنسية لهم، بالانضمام إلى الجيش، بعدما كانت هذه الممارسة قد توقّفت في العام 2004، وعلى البدء بقبول المتطوعين غير الكويتيين بصفة ضباط متعاقدين وضباط صف. على الرغم من أن أحد الأسباب وراء هذه الإجراءات هو معالجة التراجع في أعداد المتطوعين العسكريين في الكويت خلال الأعوام العشرة الماضية، إلا أن خيار فرض إلزامية الخدمة الوطنية – بدلاً من الاعتماد على المرتزقة – يسلّط الضوء على سعي الحكومة إلى ترسيخ الهوية الجماعية عن طريق الجيش.

    في الكويت، يدعم التجنيد الإلزامي أيضاً الأهداف الاقتصادية الوطنية. فعلى الرغم من أن البلاد تضم نحو 6500 رجل ينتمون إلى الفئة العمرية المشمولة بالتجنيد الإلزامي بموجب القانون، إلا أن 140 منهم فقط التحقوا بالدفعة الأولى من مجنّدي الخدمة الوطنية. فبالإضافة إلى الشباب الذين لم يتسجّلوا ضمن المهلة المحددة، حصل 2233 شاباً من المؤهّلين للتجنيد الإلزامي، على إعفاء لدواعي التحصيل العلمي. علاوةً على ذلك، أبدى مجتمع الأعمال خشيته من أن إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي قد تؤدّي إلى تعطيل الحياة المهنية للأشخاص، فوافق مجلس الأمة على إعفاء موظّفي القطاع الخاص من التجنيد الإلزامي. يشجّع هذا القرار المواطنين الكويتيين على اختيار العمل في القطاع الخاص، نظراً إلى أن القطاع العام يعاني من التخمة.

    في الوقت نفسه، تسعى هذه السياسات إلى التعويض عن الإجراءات غير الشعبية الأخيرة، ومنها خفض الدعم الحكومي وزيادة الضرائب – لا سيما بدء العمل بالضرائب على القيمة المضافة في السعودية والإمارات في كانون الثاني/يناير 2018، واتّجاه دول الخليج الأخرى إلى اعتماد هذه الضرائب في العام 2019. في هذا السياق، يأتي الجنود في موقع الصدارة الرمزية على صعيد التضحيات التي تُطلَب راهناً من جميع المواطنين. فهذا لا يؤدّي فقط إلى الحد من المعارضة للخفض التدريجي للرعاية الاجتماعية، إنما يتيح أيضاً للحكّام أو أولياء العهد الجدد اعتماد السياسات الخارجية ذات الدوافع العسكرية التي يعوّلون عليها لإظهار أنفسهم في صورة القادة الأقوياء.

    إذاً، الدافع الأساسي وراء الإجراءات الهرمية من الأعلى إلى الأسفل لزيادة مشاركة المواطنين في الأنشطة العسكرية، هو الأهداف الاجتماعية والثقافية، مثل تعزيز الشعور القومي، بدلاً من الأغراض محض العسكرية، مثل إنشاء قوة احتياطية، وهو ليس بالمهمة السهلة نظراً إلى النسبة المتدنّية للمواطنين في الدول الخليجية الصغيرة – مثلاً، يشكّل المواطنون نحو 12 في المئة فقط من سكّان قطر، و11 في المئة من سكان الإمارات.

    تعمد الأنظمة الملكية الخليجية تدريجاً إلى إعادة صياغة نموذجها التقليدي للعلاقات المدنية-العسكرية، الذي استند حصراً في السابق إلى أمن النظام والاستراتيجيات المانِعة للانقلابات، في حين أنه كان هناك فصل واضح بين الجنود والمدنيين. وهكذا يؤدّي الجنود الآن، عبر تحريك الهويات الوطنية، دور “المحدِّثين” الذين يبنون علاقات وطيدة بين المجتمع والقوات المسلحة. في هذا الإطار، تعمد دول الخليج بصورة مطردة إلى استخدام التجنيد الإلزامي والتعامل معه كمشروع للهندسة الوطنية من أجل الحصول على الدعم الشعبي الذي تحتاج إليه هذه الدول لتحقيق الانتقال إلى نماذج ما بعد المنظومة الريعية، في خضم أجواء إقليمية متشنّجة.

    * تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.
    إليونورا أردماغني زميلة بحوث معاوِنة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، ومحلّلة في مؤسسة الكلية الدفاعية التابعة للناتو، وفي معهد أسبن-إيطاليا.