قعر الزباله وأزمة الرجاله

نداء إلى من يهمه الأمر : نحو ميثاق للأخلاق، ومنهج للتغيير

بقلم الدكتور حسام الشاذلي، 

أصل الحكايه  

لا تزال تلك الكلمات للدكتور مرسي الرئيس المصري المختطف ترن في أذني وعقلي ووعيي ، وتستدعي جميع جوارحي وكل فهمي ، عندما قال ‘ إذا إستمر السيسي حيجيب لكم من قعر الزباله ‘ وبغض النظر إذا كنت أتفق أو أختلف مع سياسات الدكتور مرسي ومن المؤكد لكل من يعرفني أنني لا أنتمي لجماعة الإخوان المسلمين ، ولكنني أحترم الرجل وأكن له كل تقدير ، فلا خلاف ولا إختلاف علي كونه أول رئيس مصري منتخب بل والوحيد الذي جاء للحكم عن طريق إنتخابات حرة نزيهة في عصر مصر الحديثه ، رجل لم يقصف في عهده قلم ، ولم تصادر عنده حرية ، ولم يعرف مؤيد او معارض طريق لمعتقل أو درب لسجان خلال فترة حكمه ،

وعودة لكلمات الدكتور محمد مرسي ، فقد كنت أعتقد ومعي الكثيرون حينها بأن التفسير الواضح للخطب الفادح يرتبط باستشراف الرئيس لمدي الدمار السياسي والإقتصادي وكذلك الإجتماعي ، الذي سيلحق بالبلاد نتيجة إغتصاب أول تجربة ديمقراطية ووأد الحياة السياسية المصرية الوليدة في مهدها ، وعلي فراش طفولتها وفي أحضان ابتسامتها ، نتيجة لعودة الحكم العسكري بديكتاتوريته ودمويته وفساده وإفساد ،

ولكن مع مرور الأيام والسنين، ومع تبدل الظروف والمعطيات من حين إلي حين ، ومع زيادة المحن والإختبارات للأفراد والمجموعات لجميع المصريين من مؤيدين ومعارضين ، بات التفسير لا يناسب التوصيف وظهر أن المعني أدق وأشمل وأن التفسير أعم وأكمل ، فرأيت أن التوصيف يستمد تعريفه من عواقب وتوابع كارثية لحالة التدني الأخلاقي والديني والتي أنتجها الإنقلاب وتوابعه بين المؤيدين والمعارضين ،

تشخيص الداء  

فعلي صعيد المؤيدين للنظام وبين حاشيته وخدمه والمسبحين بحمده وكهنة معبده وحماة عرشه ، من شيوخ السلطان وشياطين الإعلام ظهرت علينا مخلوقات في خلق الإنسان ، ما أنزل الله بها من سلطان ولا تعرف إن كانت من بني الإنس أو من مردة الجان ، فعم النفاق والتطبيل والتهليل والفساد والإفساد ، وبلغت الإستهانة بالدين والأديان وبالأخلاق والأعراف والقرآن، مبلغا لم تعرف له مصر مثيلا ولم تحكي عنه الكتب ولو حتي أساطيرا، فباتت حثالة البشر وأئمة الفجر وقادة الغجر أعلاما تتطاول علي الدين والأخلاق وتحقر من رموز الأمة ومن أصحاب العمة ، فانتشرت الفتن وعمت المحن ، ولكن لا عجب ولا عجاب فقد زادت الزبالة وكثرت علي القوم الحثاله ، ولكنه تاريخ طويل عفن ،  من القتل والتعذيب والتنكيل ومن كل قاع نتن ،

ولكن العجب العجاب هو ما صار إليه حال الجسد المعارض وما آلت إليه دار الفكر المناضل ، ولعل هذا يأخذنا إلي بيت القصيد وإلي جذور الداء الوليد ، فمن العلم وبالعلم نعلم ومن أصول الطب والأمراض نفهم ، أنه إذا أردت أن توصف الداء وتتعرف علي سر الداء فيجب أن تدرس الجسم وطبيعته في كمال صحته وسلامة تركيبته ، لكي تري تأثير المرض وجرثومته وتتعرف عن أطواره وكينونته ،

ولهذا فأجل الأخطار واشد الأطوار  يتمثل في الحالة المتدنية لمعايير الأخلاق والتعاملات ، والتي ضربت جسد المعارضة والأخلاقيات ، فتأثر بها ذلك الجمع النقي وهذا الفريق الأبي ، فرغما عن كون المعارضة المصرية لم تجتمع علي هدف ، وجل تاريخها السياسي في مصر هو درب من الخرف ، إلا أن الثورة قد غيرت المعايير وولدت من بطون الميادين أشاوس و مغاوير ، فمعارضة اليوم علي ضعفها ووهنها تضم وبلا شك  خيرة الناس ومن أطهر الأنفس والأناس ، فلا أدل علي وطنية ولا إخلاص ، ولا علي جهاد إلي خلاص من رئيس قد اختطف ، وشهيد قد قتل ومظلوم قد أعتقل ، ومناضل حر قد دفع الثمن في أهله وأخيه ، وآخر قد فر بنفسه أو أهليه لغربة بلا أمل ، وأرض بلا عمل ، أو بطل محكوم أو مطارد في بلاد قد عمها الظلم وغشيها خيبة الحلم  ،

ولأن العلاج والحل يكمن في معرفة أصل الداء لكي يوصف الدواء ، فيجب علينا أن نعي أن آفة المعارضة المصرية هي في بيئتها السياسية ومكوناتها الهيكلية ، تلك البيئة التي تعرضنا لها قبلا بالشرح والتفصيل وبالتعريف والتأويل ، وتشتمل علي عدة مكونات  وكثير من المحتويات ،  يأتي علي رأسها ودرة تاجها المكون الأخلاقي والمعيار التعاملي بين المجموعات ،

ويأسف القلم ويتأسف ، ويتألم  الكاتب حين يكتب عن واقع مرير يعلمه أو يتعلم ،  بأن المعايير الأخلاقية داخل محراب المعارضة المصرية قد وصلت لحالة  غير مسبوقة من التدني في التعامل والتواصل بين الأفراد والمجموعات ، وأن المكون الأخلاقي قد تردي وتغير في خمس سنين من بعد الإنقلاب إلي يومنا هذا فتبدلت الأصول وتغيرت معايير الرفض والقبول ،

بات الجميع أعداء ، وصار الكره طريقة ونبراسا وتلاعبت بالناس الأهواء ، تشتت الجمع وانفض الصف ، فأصبح الكل مشغولا بلقمة العيش وبقوت اليوم ، صار الأمثل هو البعد عن الجميع والإلتزام بالمنظومة الفردية والشخصية في أضيق نطاق وأقل عدد من الأصدقاء ، فباتت الغرف المغلقة ملاذا للشرفاء ومحرابا للنبلاء ، فتحولت المنظومة إلي وحدات شخصية مكلومة ، لا يرجي منها نصر ولا تري فيها مددا ولا تغييرا لأي عصر ،

أصبح من المقبول أن تسمع أو تري مجموعات وأفراد لا تجد قوت يومها ولا ما تكفل به أهلها، بسبب الخلافات والمشاحنات ، وصار من الطبيعي عن يتوقف الجميع كمشاهدين أو مراقبين ، فاذا تدخلت قد يصيبك من المهانة والإهانة مالا يخطر علي بال صغير أو يحلم به كبير ،

توصيف الحال ووصف الدواء  

تبدلت معايير الخلاف و الإختلاف ، وتحدثنا التجارب عن مدي تبدل الأخلاق وتغير المعايير والموازين عند النزاع أو الإختلاف ، حيث الفجر في الخصومة والأحقاد المكتومه ،   بلا علم ولا عمل وبجهل طافح يسبقه الصراخ والذم وسوء الكلام  وغياب الدماثة والحلم أو تقديم العفو والفهم ،

88958893

وهنا يتجلى قعر الزبالة وتتكاثر جراثيم القمامة ، فعندما يضعف الجسد أو تصاب مناعته،  تنشئ بيئة قميئة تمنح الفرص وتعطي الطريق لمخبري النظام وجواسيسه ، وأذنابه وحملة أمراضه وكوابيسه ، لكي ينشروا الفتن ويشوهوا الرموز والقمم ويعملوا من أجل وقف العمل والقضاء علي الأمل ،

فهؤلاء الجراثيم تمت زراعتهم وتحضيرهم وتلقيحهم منذ فترات كبيرة وداخل مجموعات عديدة  ، لكي ينطلقوا مع توفر البيئة المناسبة ، بيئة قليلة الخلق والأخلاق عند التنازع أو الإختلاف ، فتراهم في كل محفل وجمع وقد انطلقوا سبابين لعانين بلا سبب واضح وبلا أي وازع خلقي أو عرفي وبأخلاقيات خنزير بري جامح ،  فهم كالجرثومة المتحوصلة يتخفون في ثياب العفة والنضال لكي ينشروا المرض والدمار ، فالهدف كل الهدف هو إيقاف المسيرة وإنهاء المحاولات المستمرة والمريرة ،  من أجل تحرير بلادنا المغتصبة الأسيرة ،  هم الخطر كل الخطر فاحذروهم وقاوموهم ، فلا خيانة أدهي ولا أحقر ولا أمر، من استغلال ضعف الجسد الصالح للانقضاض عليه كالشيطان الأشر،

فأخطر الأخطار ، وقعر الزبالة المحتضن للجراثيم والمدمر لكل الأخيار ، هو تلك البيئة الأخلاقية المتدنية وذلك المكون البيئي الهدام ، فلابد لنا كمعارضة مصرية من تحصين أنفسنا وأعمالنا وكل نضالنا ضد هذا المرض وحامليه وضد ناشريه وحاضنيه ، نحن في حاجة ملحة وعاجلة إلي ميثاق أخلاقي واضح يلزم الجميع بآداب الخلق والأخلاق ويقضي علي الجراثيم المسببة لتلك الأمراض ، تلك الجراثيم التي تنمو من قعر الزبالة لكي تهاجم الجسد المعارض مستترة وراء أهداف نبيلة وصور مزيفة وقصص وضيعه ، تهاجم الجميع والكل وتشكك في اي فرد أو محاولة ، وتعمل علي القضاء علي كل حلم أو مبادرة ، تخشي الكلمة وتفر من الحكمة ، فعدو المرض هو الطهارة ، وقاتل الفتنه هو الحكمة والكلمة والخلق والعفو ،

Virus

ولقد أثبتت الخبرات والتجارب في المجتمعات الديمقراطية الحديثه ،  أن الأساس هو بناء البيئة الأخلاقية السليمة ، فالمكون الأخلاقي هو أساس بناء أي منظومة تغييرية صالحة ،  يتحرك فيها الأفراد بوازع إنساني داخلي مراقبين الله في أعمالهم ومخلصين له في كل نضالهم ،  فيجب علينا الحفاظ علي هذا المكون وتدعيمه وتأصيل جوانبه داخل مجموعات المعارضة وأفرادها،

ولهذا فأنا أدعو جميع رموز المعارضة ونخبها وأهلها وكل عمومها، بأن يجتمعوا من أجل إخراج هذا المنتج الأخلاقي ومن أجل التأصيل لميثاق أخلاق يوضح منهج الخلاف ويحدده ،  ويمنع التدني عند الإختلاف ويحجمه ، ميثاق أخلاق يحافظ علي الإحترام المتبادل ويضع معايير  للتخاطب والتحاور بين الأفراد والمجموعات وفي المحافل والمنتديات وبين كل المجاميع والمجموعات ، ميثاق أخلاق تراقبه لجنة حاكمة عادلة ترتفع عن الأهواء الشخصية والجماعية و تعمل من أجل الخير للجميع ، 

متي يتحقق الأمل 

 يتحقق الأمل عندما نستمع لبعضنا البعض باحترام واهتمام ، وتقدير و احترام ، عندما نساند المظلوم ونتصدى للظالم بمهنية وحرفية وحب ومفهومية ،

يتحقق الأمل عندما يكون لدينا منهجا ونهجا لكي تتعافي الروابط بين مجموعات المعارضة في الخارج ، وعندما يشعر كل فرد بأنه عضو في أسرة كبيرة تعني بهمه وتهتم لألمه ، ولا تتفرج عليه أو تشمت في مصيبته أو غمه ،  لا تنتظر له خطأ ، ولا تتصيد له هفوات،   لا تحكم عليه لأن لديه حلم مختلف أو أنه يري أن الحل في غير الخط المستقيم أو داخل شبه المنحرف ،   فأصل النجاح وأساس الإبداع في إختلاف الأحلام وفي تنوع الطرق وكثرة الإسهام ،  يتحقق الأمل عندما نرتقي بأخلاقنا فنوقر كبيرنا ونحتضن صغيرنا ، ننصح بلا تتطاول ونختلف بلا فجر ولا تشويه ،

نحن في حاجة ملحة وعاجلة إلي ميثاق أخلاق ينتشل الجميع من قعر الزبالة ويحصن الجسد من شر تلك القمامة ، قبل أن يفوت الأوان وتتحكم بنا مقادير الأيام والأزمان ،  فيموت المريض ويشيع الجسد من جديد ،  ويتحول الأمل إلي أوهام وإلي بقية من أضغاث أحلام ،

AI7B0032 copy حسام الشاذلي ، هو المستشار السياسي والإقتصادي الدولي، السكرتير العام للمجلس المصري للتغيير، الرئيس التنفيذي لمجموعة سي بي آي السويسرية الدولية،  وأستاذ إدارة التغيير والتخطيط الاستراتيجي بجامعة كامبريدج المؤسسية وباحث بقسم الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة ليفربول ، 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s